الاثنين، 27 يوليو 2015

هيَ (قصةٌ قصيرةٌ) /أحمد عبد السلام_مصر



هيَ (قصةٌ قصيرةٌ)
أَسَرَتْهُ مِن أولِ نظرةٍ، زميلتُهُ الجامعيةُ؛ المتفوقةُ في كلِّ شيءٍ: جمالِها؛ حيائِها؛ عِلمِها؛ حِشمتِها، ولَفَتَ نظرَها إليه: وقارُهُ؛ ذكاؤهُ؛ وخُلُقُهُ، تقدَّمَ لِخطبتِها، بعدَ الجامعةِ تزوجَا، عاشَا في سعادةٍ وحبورٍ، بنيَا عُشَّهما الصغيرَ قشةً قشةً، حتَّى أصبحَ؛ زينةً لِلناظرينَ، لا يَنقصُهُ سوَى زقزقةِ العصافيرِ؛ وشغبِ القُرُودِ، مرَّ عامٌ بهيجٌ، تلتْهُ سنةٌ؛ هيَ أخلاطٌ من سعادةٍ وهمومٍ، ثمَّ سنةٌ عجفاءُ؛ مريرةٌ كالعلقمِ، فِي البدايةِ؛ لم يُلْقِ بالًا؛ لِإلحاحِ الأمّ؛ وسؤالِ الأقاربِ؛ وفضولِ زملاءِ العملِ؛ وهمهماتِ الجيرانِ، مع الأيامِ؛ بدأ جِدارُ المقاومةِ يتصدَّعُ؛ ويؤذِنُ بالانقضاضِ، تحتَ طَرقاتِ الأقاويلِ؛ ونيرانِ النَّظراتِ المشفِقةِ؛ ومصمصاتِ الشفاهِ المتحسرةِ. لم يعدْ أثقلَ على قلبِهِ؛ مِن هذِهِ الكلماتِ:" ما أخبارُ وليِّ العهدِ؟" فيبتسمُ؛ ابتسامةَ باهتةً؛ ويردُّ؛ بآليةٍ واقتضابٍ: لَمَّا يأذنُ ربُّنا.
أُذُنُهُ أصبحتْ رادارًا؛ يلتقطُ الهمهماتِ والهمساتِ، عينُهُ صارَتْ عدسةً دقيقةً؛ ترصدُ النَّظراتِ، أعصابُهُ تحترِقُ، عظامُهُ تنسحِقُ؛ تحتَ مطارِقِ أهلِهِ؛ وسندانِ أقاربِهِ، تعاظمَتْ آلامُهُ النفسيةُ؛ تتابعَتْ كوابيسُهُ الليليةِ؛ يأخذُ بعضُها بِرقابِ بعضٍ؛ حتَّى حارَ في علاجِها الأطباءُ، أفنَى ثروتَهُ علَى الكشوفِ؛ والفحوصِ والأشعَّاتِ؛ والتحاليلِ، كلُّ الأطباء أجمعُوا؛ على سلامتِهِ وسلامةِ زوجتِهِ،ذُعِرَ من شبحِ الفراقِ،طارَتْ نفسُهُ شُعاعًا لِمجردِ التفكيرِ فيهِ، لا لنْ يستسلِمَ؛ ولن يفرِّطَ في حبِّهِ؛ بهذِهِ السهولةِ، لا بدَّ من حلٍّ، ارتضَى أنْ يصبحَ؛ فأرَ تجاربٍ، جرَّبَ كلَّ شيءٍ؛ كغريقٍ يتشبثُ بقشةٍ: الأطباءَ النفسيينَ؛ الشيوخَ المعالجينَ؛ الأعشابَ؛ والوصفاتِ البلديةَ؛ وحتَّى الدجالينَ؛ والمشعوذِينَ، ضاقَ الخناقُ حولَهُ؛ أُسقِطَ في يدِهِ، سدَّتْ أبوابُ الأملِ في وجهِهِ، أخيرًا لم يجدْ بُدَّا من الانفصالِ، بعدَ أنْ أضحَى؛ قابَ قوسينِ أو أدنَى؛ من الجُنونِ،عزفتْ نفسُهُ عن الدنْيا، هزلَ جسدُهُ من السقمِ، نصحتْهُ أمُّه؛ بِتغييرِ العتبَةِ، لعلَّهُ يُرزقُ الولدَ؛ مِن غيرِها، ألحَّتْ عليْهِ؛ أنْ يَخرجَ مِن شَّرنقةِ الهمِّ؛ التي نسجَها حولَ نفسِهِ؛ وكهفِ الغمِّ؛ الذي اعتكفَ داخلَهُ؛ وجُبِّ الأحزانِ؛ الذي ألقى روحَهُ في قاعِهِ، وينهِيَ عُزلتَهُ الاختياريةَ؛ التي كادَتْ تودِي بِهِ، تحتَ الضغوطِ المتواصلةِ؛ اضطرَّ للقبولِ،عاشَ معَها؛ وقلبُهُ غائبٌ عنْها، لم يُحبَّها؛ لكنَّهُ لم يَظلِمْها، تحمَّلَتْ وصبرَتْ؛ حتَّى زالَتِ الغُمَّةُ؛ وبدأَ يعودُ لِطبيعتِهِ، رُزِقَ منها بِبنتٍ؛ كالشمسِ في ضحَاها، وكالقمرِ إذا تلَاها، فرِحَ بِها، وحَزِنَ أهلُهُ؛ الذينَ كانُوا يترقبُون وصولَ الذَّكَرَ_وليسَ الذَّكرُ كالأنثَى_ لِيحملَ الاسمَ ، ويسندَ الظهرَ، ويرِثَ الأرضَ، ويُنمِيَ الثروةَ، لم يُبالِ بِشيءٍ مِن هذَا، انفكَّتْ عُقدتُهُ، وعادَ يهتمُّ ببيتِهِ، حانَ موعِدُ التحاقِ الصَّغيرةِ بِالمدرسةِ، أحضرَ الأوراقَ، اصطحبَها في زهوٍ، لِأولِ مرةٍ لا تجرحُهُ ضحكاتُ الصِّغارِ في الشارعِ؛ ومشاغباتُهم، أصواتُهم التَّي كانتْ تُطِنُّ في رأسِهِ؛ وتقرعُ سمعَهُ؛ كالأجراسِ المُزعجةِ، أضحتْ شجيةً؛ كشقشقةِ الطيورِ، اختفتْ الهمهماتُ المُؤلمةُ؛ وغابتْ النَّظراتُ المتحسرةُ، على بابِ المدرسةِ لمحَها، التقتْ عيناهُما؛ في حديثٍ طويلٍ خاطفٍ، نعم! كانتْ هيَ، وفي يدِها ملفُّ التقديمِ، وبِالأخرَى يتعلقُ طفلٌ وسيمٌ؛ يحمِلُ ملامحَها.
أحمد عبد السلام_مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق