ليتها تخرس هذه المرأة
قصة محمد عارف مشّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألقت برأسها فوق كتفي كطفلة مدللة . احتضنت يدي بيديها . ابتمست وهي تهمس : احبك . واصلت الحافلة انطلاقها نحو البحر . الليل طويل والطريق ممتد كأفعى . هواء البحر لزج . حرارة الطقس مرتفعة. حاولت النوم فلم استطع اغماض عيني . تشاغلت بعرض تلفزيوني مثبت قرب سقف الحافلة . العرض ممل . التدخين ممنوع. طفلتي نائمة فوق كتفي .
إنه ا
للقاء الأول . احببتها عن بعد وأحبتني هي كذلك . لم نلتق . لم نتحدث . كل مافعلناه أننا تحدثنا بالهاتف المحمولمرة أو مرتين . مرّت أيام وشهور نحلم خلالها بلقاء مختلف . لقاء له رائحتنا ولوننا وطعمنا . لقاء خاص بنا . حلمنا ورسمت خيالاتنا الاحلام والاماني . إلى أن كانت اللحظة الاولى حيث كانت تقف هناك . اتجهت نحوها دون علم مني بأنها هي. واتجهت هي نحوي بتلقائية ولا تعرفني أيضا . التقت عيوننا صدفة. شيء ما في داخلي ابتسم. ابتسمت هي كذلك . عانقتني ثم قالت اشتقت إليك .
سائق الحافلة مازال يثرثر مع امرأة تجلس في المقعد الذي يلي السائق بعد أن نام زوجها . ازعجني صوت المرأة وتلميحات الرجل الجنسية . كدت اصرخ بهما أن اصمتا . ماذا لو فعلت ؟ وما علاقتي أنا بالموضوع؟ ماذا لو اتهمتني المرأة بأشياء لم افعلها ؟ من سيصدق إني لم افعل لها شيئا؟ .
الحافلة مازالت تتهادي كأفعى في منحدر الطريق . البحر بعيد. والليل شديد السواد . وطفلتي مازالت ترتاح في نومها على كتفي . ليتها تستيقظ وتحدثني بأي شيء . فأنا اكره المسافات الطويلة. اؤمن بقصر المسافة للوصول إلى الهدف . لكن على مايبدو فإن السائق يؤمن بعكس مااؤمن أو انه يتباطأ متعمدا كي يطيل الحديث مع المرأة النائم زوجها . لماذا لا تنام هي مثل زوجها وتريح رأسي من زعيقها . ارتاحت نفسي لهذا الخاطر وتمنيت لو أنه يتحقق أسرع من تحقق استيقاظ طفلتي النائمة على كتفي .
أوشكت الساعة على السادسة صباحا وأنا احس بتيبس في ساقيّ ونمنمة في قدمي . كم بقي من الوقت كي نصل البحر؟ سألت السائق فأجاب باقتضاب : ساعة وعاد للحديث مع المرأة. تبا لهذا الزوج ليته يستيقظ ويسكت زوجته . لكن شخيره كان عاليا وكانت تنظر اليه ثم تبتسم . فلربما كان شخيره يؤكد لها نومه العميق وعدم استماعه لما يدور بينها وبين السائق من حديث اكثر اتفاقا وحميمية لعلمهم ان لا أحد مستيقظ سواي وكاد السائق أن يلقي بي من النافذة لو استطاع كي يتخلص مني ويخلو لهما الجو ببعض القبلات المسروقة ربما أو كان حلمه أكبر من ذلك. المرأة كانت تنظر لي بطرف من عينعا وهي تكاد تغمز مبتسمة وتود أن تدخل معي في حديث مشابه فاقتربت برأسي على الفور جوار رأس طفلتي المدللة على كتفي كي أشعر المرأة بأني اختصرت النساء بطفلتي هذه . لكن المرأة ازداد اصرارها على اقحام نفسها بالحديث معي . وقد تخلت عن التلميح بالتصريح فقالت : البحر؟ عرفت ماذا تعني أي أنني سأنزل جوار البحر في سكني؟ اومأت لها برأسي دو أن اجيب وبغير مبالاة أن نعم كي تصاب بالاحباط ولا تسألني ثانية . لكنها اضافت : شقة؟ لا قلت هذه المرة بنبرة حادة . شاليه؟ سألت . لم اجب هذه المرة في اشارة لها أن اخرسي ايتها المرأة . لكنها لم تخرس . ليتها تخرس هذه المرأة فقد جرّتني لحديث لا أريده معها . زوجتك؟
لا
صيده؟
اقشعر بدني لطريقة نطقها ووصفها لحبيبتي وهي تنظر اليها بطريقة وقحة
لا . اجبت بحدة وحزم
لا تخف لن اخبر احدا ولكن ان احتجت لشيء هذا رقم هاتفي انا بالخدمة
تبا لك ولزوجك ولكل الأزواج الذين هم من امثاله همست لنفسي وهي تناولني ورقة صغيرة تركتها بين اصابعي كي القي بها في اول فرصة تتاح لي .
الحمد لله على السلامة . قال السائق وزعق بمنبه حافلته عاليا فاستيقظ الركاب وجفلت طفلتي . مسّدت شعرها . خففت من روعها . اعطيتها كوبا من الماء . شربت . نهضت . تبعتها . نزلت عن درجات سلم الحافلة . نظرت الى الورقة التي كتبت فيها المرأة رقم هاتفها . القيت بالورقة بعيدا . تبعت قلبي الذي يسير على الأرض . وركضنا كطفلين نحو البحر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق