الكلب الأسود
قصة رمزية قصيرة كتبتها في سبتمبر 2005
...
حدثت هذه القصة في قريتنا .. أيام أن كانت حياة الناس فيها بسيطة وبدائية ولا يشبهها اليوم إلا فلسطين .. فالقرية تلبس ثوب الخشونة والشقاء في النهار .. وترتدي ثوب العناء بالليل ..
وفي ليلة حالكة الظلام أشد من سواد يوم الثلاثاء على واشنطن وكامب ديفيد .. كانت الأسرة تلتف حول الطبلية في انتظار طعام العشاء ..
في وسط الطبلية .. وضعت الأم مصباح كيروسين هزيل ينبثق شعاعه الخافت من باب المنزل الذي كان مفتوحًا فلا أحد يغلق بابه في قريتنا .. لأنه كما يقولون : "الدار أمان" فلا خوف من أحد على أحد في قريتنا ..
وضعت الأم العشاء وكان الأرز تفوح منه رائحة السمن البلدي التي تُسيل اللعاب، فلا أحد عندنا يستخدم السمن "الاصطناعي" .. وبجانب الأرز وضعت الأم بطة سمينة محمرة ..
الجميع يلتف حول الطبلية في انتظار الأب الغائب الذي خرج لصلاة العشاء في المسجد .. الكل في انتظاره .. لقد أكل الجوع منهم وشرب .. ها قد جاء الأب .. جاء الفرح ..
جلس الأب مع أسرته، ونظر فيهم فلم يجد الابن الابن الأصغر حاضرًا.
أين هو ؟! .. لقد أرسلته أم لشراء الشاي والسكر من الدكان .. لن يتأخر ..
الكل أعينهم على الباب، فبين لحظة وأخرى سيحضر هذا الصغير ويبدأ العشاء الذي طال انتظاره .. البعض يفكر أن يأكل دون انتظار أخيه لكن لا يجرؤ على ذلك ..
خارج الدار كان يقف كلب أسود كبير جائع .. الكلب قابع في الظلام ويريد أن يلتهم البطة .. الكلب كله عين وأذن وتحمس وتحفز .. ينتظر اللحظة لينقض فيها على فريسته، لحظة عودة الابن الغائب وفرحة الأسرة وانشغالهم بعودته، هذه هي ساعة الصفر .. وبينما كان الكلب الأسود يحوم حول الدار يترقب الفرصة إذ جاء من خلفه شاب غريب وضرب الكلب الأسود بعصا غليظة على ظهره فجن جنون الكلب الأسود، فصاح بشدة وقفز قفزة عالية في السماء ثم دخل البيت منقضًّا على البطة دون أن يلتفت إلى من ضربه بالعصا أو – حتى – يفكر فيه ..
وأصيبت الأسرة الهادئة بالهلع والفزع وعمَّت الفوضى .. وتوجه الكلب وبحوزته البطة إلى أحد غرف المنزل ..
وتعالى الصياح والصراخ، وتكأكأت القرية على المكان، وأخذوا يضعون الحلول والاقتراحات لتخليص البطة من بين أنياب الكلب الأسود، فعُقِدَت الاجتماعات والمشاورات وكثرت الآراء والأقاويل .. البعض يقول نقتل الكلب، والبعض يقول نتركه حتى يخرج وحده .. آراء حكيمة وتدابير سخيفة لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب من الكلب؛ فالكل في القرية يعرف الحقيقة : الكلب الأسود كلب مسعور لا أحد يقترب منه إلا وقتله ..
واستمرت النقاشات والحوارات بينما كان الكلب يهنأ وحده بصيده السمين .. وأخوف ما أخاف منه هو شباب أهل القرية الذين رأو أن يشعلوا المشاعل ويلقوا بها داخل المنزل فيحرقون الكلب الأسود دون أن يلاحظوا أنهم بذلك يضرمون النار في البيت الذي قد يصير – بسبب هذا الحماس والاندفاع – كوم تراب وبذلك تكون الأسرة قد خسرا كل شيء ..
وظلت النقاشات والمشاورات مستمرة حتى أقبل الليل، وما زال الكلب الأسود يتمتع هانئًا داخل المنزل ..
وبينما هم كذلك فإذا بصوت رخيم عذب يقترب من بعيد .. الكل يعرف صاحب هذا الصوت، إنه صوت الشيخ "عارف" يتلو قول الله تعالى :
"فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" (البقرة: 152 )
وهنا صاح جميع أهل القرية في صوت واحد وكأنما تذكروا : "الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله"
في هذه اللحظة خرج الطفل الصغير الذي كان غائبًا من داخل البيت يقول : "لقد احترق الكلب ، احترق الكلب الأسود، الكلب الأسود مات وتلاشى" ..
فقال أحد الحاضرين متحسرًا : "البطة .. يا خسارة!"
فرد عليه آخر: "اللي ييجي في الريش بقشيش، ليس المهم هو البطة يا صاح، المهم أن المنزل لم يحترق."
ثم انطلق الجميع إلى المسجد يحدوهم صوت الشيخ عارف.
بقلمي / السيد أبو العزم
11/9/2005
4:05 فجرًا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق