الأحد، 14 فبراير 2016

الخـــــــــروف /* * محمد عارف مشّه



الخـــــــــروف
من : ذاكرة المخيم ( مخطوط ) .
ـــــــــــــــــــــ
قصة قصيرة
* * محمد عارف مشّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من عائلة الخراف أنا ، لا اسم لي ولا عنوان ، لا مواصفات لي ولا طول قامة أو وسامة تميزني عن غيري من الخراف ، أعيش في حظيرة صغيرة لا أعرف صاحبها ، أو لماذا لا يقدم لنا ما يكفينا من الشعير والماء إلا بما هو أقل من حاجتنا . نظمأ كثيرا ، نتشاجر . تتكسر قروننا في كثير من الأحيان على حفنة شعير أو شربة ماء.
كل هذا ، قد تعودنا عليه وعلى هذا الذي يثغو لنا ليل نهار . يطالبنا بثغائه أشياء كثيرة ، فأطلقنا عليه لقب الثغّاء لكثرة ثغائه.
لا يؤلمنا هذا بقدر ما نعانيه من أشياء أخرى أكثر إيلاما ، فيزداد بي الألم ويتمزق قلبي كلما تذكرت تلك اللحظة التي تجمهر حولنا بشر كثيرون يرتدون ثيابا زاهية الألوان ومعهم أطفال مزعجون ، يمتطون ظهورنا حينا ، ويمزقون أصواف جلودنا أحيانا أخرى ، ولا نملك غير هذا الصوف الذي يبتل بماء المطر فيصبح عبئا ثقيلا على أجسادنا شتاء، وفي الصيف يكاد أن يقتلنا الحر والعطش بسببه.
في لحظة ما تجمّهر الناس أمام الحظيرة ، فظهرت سكين لامعة في وهج الشمس ، خفنا ، تراكضنا ، تعثرت أقدامنا ، تضاربت أجسادنا ، وأصبحنا جميعنا مهددين بالخطر .
هل أكون أنا أول من تنال السكين من جسده ، أم اأخي الذي يكاد أن يموت من شدّة تعبه لكثرة ثغائه في طلب الماء ، أم أختي التي ستلحق بأمي التي ذهبت ضحية سكين جزار ، أم أبي الذي يرقد جواري وقد أعياه التعب ، أم هو الثغّاء؟
طال صمتنا ، خوفنا ، ترقبنا ، اقتربت خطوات السكين منا ، التصق بي أخي الصغير مذعورا ، استيقظ أبي على صوت ثغاء أخي ، صرخت أختي وزاد ثغاؤها ، حافظت على رباطة جأشي ، حاولت الظهور أمام عائلتي قويا ... نظرت السكين نحوي باستخفاف ، تحركت السكين نحوي ، نظرت حولي فلم أجد الثغّاء ورفاقه ، استنجد بهم ثغائي ، فوجدتهم يرتعدون من شدة الخوف ، السكين تقترب مني أكثر ، الصمت يزداد ، الخوف من حولي يكبر ، الذعر في عيون الآخرين يزداد صمتا ، وقع خطوات الموت القادم يكبر ، يكبر ، يكبـ.... السكين تقطر دما ، السكين على بعد خطوة ، أنا... أبي... أخي... أختـ.... تقترب السكين من أختي ، فجأة تلتفت السكين نحوي ، تقترب مني ، يلتصق بي أخي خائفا ، ثغاؤه يصرخ ذعرا ، يستنجد بي ، ولا أجد من أستنجد به ، كلهم خائفون ، هاربون ، صامتون ، لا شيء سوى الثغاء يملأ المكان. شدتني السكين ومزّقت التصاق أخي بي ، رفعت قدمي الخلفيتين مقاوما السكين ، طارت قدماي في الهواء ، لم تصب السكين بأذى ، درت حول نفسي دورة كاملة ، صرت في مواجهة السكين ، خفضت رأسي قليلا وانطلقت بكل قوتي نحو السكين مستخدما قرنيّ ، رفستني السكين ، شعرت بدوار شديد ، حاولت ثانية ، ثالثة ، هربت ، لحقت بي السكين ، شدّتني من ذيلي ، تعثرت ، سقطت أرضا ، جسدي ملقى على الأرض ، السكين فوق عنقي ، قدماي مكبلتان إلى يديّ ... لا فائدة من الاستسلام ، لا خسارة من المقاومة ، يجب أن أقاوم حتى النهاية ، همست لنفسي دون ثغاء ، لن أسمح للسكين بذبحي دون مقاومة ، ولن أترك لها فرصة الانتصار عليّ ، ربما أتخلص من الموت أو أنال فرصة تأجيله إلى أن ينقذني خروف ما ليس بثغائه بل برفسه..
الثانية عام ، الدقيقة دهر ، ارتفعت السكين فجأة ، تركتني ، الثياب الزاهية ذهبت مبتعدة عن الحظيرة ، رفستني السكين بحقد ، هربت ، رذاذ ماء قليل وصل إليّ ، ركضت السكين نحوي ثانية ، أتريد ذبحي،، قلت بلا ثغاء وأضفت لماذا تركتني إذن؟
اقتربت السكين مني مرة اخرى ، تجاوزتني ، اتجهت نحو الخراف تتحسسها وتنتظر ثيابا زاهية أخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق