قصص قصيرة جدا
المجموعة الثانية
بقلم/ رامي المقطري
*خِدجٌ*
في وقتٍ متأخرٍ من الليلِ رأى في متصفحه صورةَ طفلٍ محروقٍ، استنهضَ همّتهُ، الأدرينالين جعله كالأسدِ يزأرُ، قامَ يشجبُ ويدعو الأصدقاء لا بدَّ أن نضع حداً لأعداءِ الإنسانيةِ، كتب رسالةً شديدة اللهجةِ متوعدا فيها بتصعيدِ الأمرِ، بعث بها الى مختلفِ الهيئاتِ والمنظماتِ، لم ينتظر ردا، باغتهُ جهازه بنفاذ شحن البطارية، انكب على وجهه ونام.
______
*معتوهٌ*
أمسكَ القنينةَ، شربها، تخبّطَ وغطَّ في غيبوبةٍ، افاق على ضجيجِ الحاضرين، حين جاء دورهُ، تقدَمَ نحوَ المنصةِ، أمسكَ المايكروفون؛ غطَّ الشعبُ في الغيبوبة.
______
*في حكمِ المفقود*
سارَ وهو يسترجعُ شريطَ حياتهِ، تأوهَ ألمَاً، كتمَ صوتهُ، تقيأ حزنا، جدّفَ بنفسهِ بعيدا عن ذلك الحي المثيرِ للأطلال، نظرَ حوله، أصابهُ الذعرُ إذ لم يرى ظلَه.
______
*لؤم*
((لا تقلقي يا أُمي إنني بأحسن حال))
تحسست الأمُ -البصيرة- وجه قارئ الرسالة.
قالت -بعنف- : كفاك و إذهب من أمامي.
أذهبَ الله ايمانه وراحته ذلك الأبلهُ اللئيمُ، يحسبني انتظرهُ حبا له او خوفا عليه.
والله ما انتظرتُ إلا جثته بعد عامٍ واحدٍ من الجفاء، الآن بعد عقدٍ من الزمان غزّهُ ضميرهُ التافه، تف عليه ما احقرهُ إبن أبيه.
______
*ظاهرة*
سأعود حال إتمام الدراسة والتدريب، هكذا أخبرَ أمهُ قبل رحيله، كانت فخورة به، تدمع عيناها كلما أتاها هاتف من ولدها يعطيها النقود.
عاد الى البيت بشكل آخر وروح هي الأخرى، تعجبت الأم: كيف هذا منذ متي وأبني جاحظ العينين لا يبتسم، والهالة الكثيفة حول رأسه معقول! انه لم يجد وقتا ليَجُذّ العشب الأسود من وجهه، عن أي تشريح ذهب ليدرس! تبا خسرت ولدي.
______
*تذكرةُ سفرٍ*
نهضَ باكرا، بالنشاط تغذي، واكتسى بالإراده، عانق زوجته و غادر المنزل، تذكرتهُ بيده، ولج إلى مستقبله، حدّق بالحاضرين، تنفس الصُعداء، كبّر، الزر كان مفصولا.
لعنته ابنته حين رأته في شاشة التلفاز مكبلا.
______
*إختلالٌ*
لأول مرةٍ يدخلُ قاعةَ المحكمة، نظرَ إلى وجه القاضي ونظرَ داخل القفص بإتجاه الشخص الذي سيُقام عليهِ حدّ السرقه، من يومها قَررَ أن يكون جزارا، القاضي كان أبوه.
______
*إستبدال*
ليس لي سواك ولن يمسَنِي أحدٌ غيرك ماحييت، أنا لك وحدك.
حين تلقت مؤخرته ضربة موجعة ذات ثورة؛ توجه الكرسي ناح المرشح التوافقي.
______
*وجهٌ آخرٌ*
مبتسماً، تظهرُ في مُحيّا وجههِ الضاحكِ علامات الفرحة جليّة، كان يُحدِّثهم عن بطولته التي أحرزها مؤخراً، وكيف أنه عمِلَ جاهداً ليمثل بلده أيّما تمثيل ويشرّف موطنه أيّما تشريف رغم أنه في المنفى منذ زمن بعيد، ما إن تم إطفاء الإضاءة في الإستوديو، إلا وأجهش باكياً متحسراً على وطنه الذي أدمته طعنات الغدر منه وفيه.
______
*وَطَـــنٌ*
أتعبتهُ الأحمالُ، وقد وَهَن، تعثّر و تعثّر، حاول النهوض مرارا متكئا على جدار هش، استند بنصف ثقله، قام مترنحا نحو المخرج، مد يده يفتح الباب؛ مدوا له سوط عذاب.
______
*أُمنِيَةٌ*
تراءا لهُ أن الجوع يعصفُ به وبصغاره، إنتابه الفزع، راح يتلمّس بجانبه، نهض من فراشه مبهوتا يبحثُ عن أي شيء يعطيه لأولاده يأكلوه، ما وجد شيئا يؤكل ولاحتى شربة ماء، تريث قليلا، أخذ نَفَسَا عميقا، تذكر أنه عقيم.
______
*قَدَرٌ*
اقتربَ من ذلكَ الصندوق، مرتجف البدن مرعوب مضمحلُّ الأمل متخاوي الساقين، اومأ برفع الغطاء كي يري فلذة كبده للمرة الاخيرة، كشف الله عنه غطاءة قبلها.
______
*فِطرَةٌ*
شدّتهُ عيناها جذبتهُ رموشها سحرتهُ كلماتها؛ عشقها، أبحرَ فيها، تداعاه الغرق -كان حذرا-، في يده سكين، قطع به حلم بقاءها في قلبه، نجا، سلك دربأ آخر بعيدا عنها؛ مات شوقا.
______
*متسامحٌ*
رفعَ رايةَ الإسلامِ، عاشَ للدينِ خادما تارة وللعلمِ معينا تارة، جاهد نفسه وبنفسه، عاش مستور الحال براتبه كخطيب وإمامِ جامع البلدة؛ مات مقتولا.
______
*وَجَعٌ*
في الطريقِ، استوقفته قائلةً: هلاّ أعطيتني ماء كي أتناول دوائي، مسرعا توجهَ للبقالةِ، عادَ لكنّهُ لم يجدها؛ كانت خيال أمه التي توفيت قبل أسبوع.
______

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق