الأسير رقم 2015
قصة محمد عارف مشّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اهتزت يد الرجل العجوز القابض على عكازته كما القابض على الجمر . مسح العرق المتصبب من جبينه بطرف حطته تحت شمس تموز اللاهبة والقيظ الشديد . تلمّظ العجوز عطشا وتابعت ساقاه النحيلتان سيرها نحو شارع أسود يعطي بريقا اسفلتيا لامعا يزيد من انعكاس أشعة الشمس اللاهبة عمى وغبشا في العينين .
الشارع خال تماما ولا سيارة تقل العجوز إلى حيث يريد . لا ظلّ يستظل به . لا ماء يغسل به وجهه فيستبرد الوجه والجسممن قيظ الحر .
كبرت أمنيات الرجل العجوز بالوصول إلى غايته . لكن المكان بعيد ولا حافلة تجيء . تمنى لو أنه يعثر على مسجد يتوضأ فيه من تعب الطريق وليصلي ركعتين تطهران جسدا متعبا وقلبا مشتاقا . أو علّه يحظى بإغماضة عين ويهدأ هذا العقل المضطرب . لا صوم عن التفكير . ليته يصل إلى شيء ما يلهيه عن هذا الجوع وهذا التعب العطش إلى اللقاء . علّني أجد شيئا ما همس بها الرجل لنفسه وتابع سيره المرتجف نحو هدفه .
أتعبته المسافة . أتعبته الطريق . أتعبه الاشتياق وأمنيات الوصول
فجاءه زعيق خائف ذعر ينادي باسم العجوز ، وضع يده على عينه اليمنى ليمنع لهيب الشمس ونظر نحو مصدر الزعيق فكان هو بذاته ، بالتأكيد هو . همس لنفسه وأضاف بصوت مسموع ليوثق استمرارية حياته في هذا القيظ : حسن العبد الله ؟
* من ؟ سعيد الناجي .
هرّول العجوز حسن باتجاه سعيد الناجي وارتمى في حضن تمتد يداه معانقا . بكى ظلاّ الرجلين بصوت مسموع فكوّنا ظلاّ واحدا امتد على مساحة الشارع الأسفلتي حيث جلسا معاتبين :
أين أنت يارجل ؟ سأل حسن منذ أن كنّا أسيرين لم أرك ؟
لقد تمّ نقلي إلى السجن رقم خمسة تعرفه . قال سعيد
كم بقيت في السجن ؟
حكما مؤبدا . وأنت ؟
أنا بقيت في السجن الأصلي وأكملت مؤبدا ونصف وأضاف ممازحا بضحكة : أنا كنت قبلك بالسجن أيها العجوز . ثم نكزه في خاصرته مداعبا .وأضاف ماذا تفعل هنا يا ابن الناجي؟
قبل أن أخبرك لماذا أنا هنا . ما أخبار بقية الرفاق سالم المحيسن و ....... الله يذكره بالخير كان فدائيا نشميا ابن الطفيلة بحق . قال حسن وأضاف : متى في السجن الإسرائيلي رحمة الله عليه لم يحتمل التعذيب رحمة الله عليه . تذكره لقد كان نحيلا .
أذكره رحمة الله عليه . والولد المصري النحيل أأيضا واسمه . أسمه ..... آه حنّا .
حنّا المصري مازال في السجن أسيرا هو وكمال العراقي ؟
كمال ؟
نعم يارجل كمال العراقي ألا تذكره ؟
كمال . كمال ..........
الذي كان يصلي معنا في السجن ويداه على جانبه بينما كنّا نضع أيدينا بالقرب من صدورنا . هل تذكّرته ؟
تذّكرته . تذّكرته . كم بقي لهما من مدة في الأسر ؟
فجأة سمعا صوت حافلة قادمة تتمايل في مشيتها متعبة كأسد هرم تعبّ الشارع ببطء إلى أن وصلتهما . اهتزت . تقدمت إلى الأمام خطوة عجل . تراجعت خطوة عجل أخرى وكديك ذبيح فارقت روحه جسده فمات مستسلما ، توقفت الحافلة مستسلمة لكوابحها وهمدت .
نهض سعيد الناجي متثاقلا . ودّع حسن العبد الله بعناق طويل واتجه نحو باب الحافلة . انزلق سعيد في الحافلة . تحركت الحافلة ببطء . ببطء . ببطء إلى أن اختفت الحافلة . وعينا حسن الدامعتين تعانق المدى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق