الثلاثاء، 28 يوليو 2015

اِنْكِمَاشٌ /بقلم : المنجي حسين بنخليفة – تونس -

اِنْكِمَاشٌ
.
بقلم : المنجي حسين بنخليفة – تونس -
.
ضاقتْ عليه الأرضُ ، لم تَجُدْ عليه من رحابِها إلاّ بمساحةِ خطواتٍ ، خُنِقَتْ بجدارٍ صَلْفٍ كصمتِ المكانِ . الشمسُ إذا عمّتْ كلّ هذا الكونِ بنورِ الحياةِ ، فنصيبُهُ منها شُعاعًا يطلُّ كلّ صباحٍ ، من كوّةٍ معلقةٍ في أعلى الجدارِ ، يذكّرُهُ أنّه مازال في جرابِ الحياةِ بعضُ بقايَا زادِ الأيّامِ ، يتجرّعُهُ في انتظارِ بُشْرَة النفاذِ . إذا دبّتْ في أذنَيْهِ آثارٌ للخُطَى زاحِفَة في آخرِ المَمَرِّ ، حاملةً طعامًا يُطيلُ له في أيامِ الانتظارِ ، انْطوَى على نفسِهِ ، ضَمَّ ركبتَيْهِ إلى صدرِهِ ، أرخَى رأسَهُ بينهما ، أصابتْهُ رعْشَةٌ خوفًا من القادمِ ... لم يعدْ يذكُرُ بدايةَ رحلةِ السكونِ ، فالبداياتُ جراحٌ ، أحيانًا يتسَرَّبُ لهُ بَصِيصٌ الماضِي من شُقُوقِ ذاكرةٍ تحجّرَتْ ، يتذكَّرُ حينَ كان هناك ، في ماضٍ لا يعرِفُ في أيّ عصرٍ هُوَ ، كان لهُ بيتٌ أكبرُ من هذا المكانِ ، جدرانُهُ أنظفُ مِن هذا الجدارِ، و الغريبُ كان له بابًا يفتحُهُ متى أرادَ ... لا يتذكّرُ لونَهُ ، ولا أسماءَ جيرانِهِ الطيبينَ ، ولا تفاصيلَ أزقَةِ حارتِهِ الضيّقَةِ ... كانت لهُ زوجةٌ ، في السنواتِ الأخيرة بدأتْ ملامِحُ وجهِها تَتَلاشَى... عدوّهُ الوحيدِ في هذا المكانِ هو الزَمَن ، فهوَ يرَاهُ صَلْبًا كهذا الجدارِ ، مُخْنقًا كهذا البابِ الحديدِي ، لهُ طعْم المرارةِ كطعامِهِ ، ثقيلاً كصخرةٍ على صدرِهِ ، يُحاوِلُ دفْعَها عنْهُ ، تتدحِرَجُ لكنّها تعُودُ إليه حينِ يفتحُ عينَيْهِ بعد سباتٍ طويلٍ ، يُصارعُهُ كثورٍ هائجٍ ، فيْنهِكُهُ بالدقائِقِهِ و الساعاتِهِ ، يستلقِي بعد معركتِهِ على شبْهِ سريرٍ لوقتٍ غير معلومٍ . يجلسُ ساعاتاً يتلمّسُ جسدَه ُ، كأنّ هذه الأعضاء كان لها دورٌ في الحياةِ !! و الآن كجيفةٍ رماهَا البحرُ ، تنْتظرُ التحلّلَ في رمالٍ على شاطِئ منسيّ .
فتحَ عينَيْهِ على صوتٍ ينادِيهِ :
ــ يا هذا جاءَكَ العفْوُ ، فَاُخْرُجْ .
اِنْكَمَشَ على نفسِهِ في ركنِ عالمِهِ الضيّقِ ، صرخَ صرْخةً شقتْ قبورَ السكونِ من حولِهِ :
ــ لا...لا...لا أريدُ الخروجَ .
.
2015-07-28

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق