[.....ولا تنتهي العلاقة بين اللغة والفلسفة عند هذه الحدود، بل لا نبالغ إذا قلنا بأن لكل لفظ من ألفاظ اللغة فلسفة معينة بطريقة من الطرق أو في بُعدٍ من أبعاد هذه العلاقة العضوية المتواشجة؛ ونعني بذلك أن الرمزية الموجودة في الألفاظ أو حتى في الأصوات اللغوية تحمل دلالة؛ بمعنى أنها تشير إلى شيء ما في نفس الإنسان أو في تفكيره، فعندما يفتح إنسان فمه ويقول: (آه) فهو في الحقيقة لم يقل شيئاً يُعَدّ من اللغة بل هو أطلق صوتاً ربما يكون صرخةً نترجمها برمز هو حرف (الألف) فقط من حيث المبدأ ولكن يتدخل هنا التحليل العقلي ليقول لنا بأن هذه الألف (ا) هي رمز للألم أو هي صرخة إنسان متألم. وقد قلنا (هي حرف واحد فقط من حيث المبدإ)، وذلك قبل أن يُعقّد العقل الأمور بتحليلاته التالية التي تقول بأن هذه الصرخة (ا) ليست حرفاً واحداً؛ أي لا يترجمها حرف واحد بل ثلاثة أحرف هي: (همزة قطع وحرف ألف وهاء السكت) ولو شئنا أن نترجمها إلى رموز كتابية بالتفصيل فإن لها شكلين، الأول هكذا: (ءاه)، وهو يتكون من ثلاثة رموز: الأول همزة قطع (ء) من أقصى الحلق، والرمز الثاني (ا) إطلاقٌ للنفَس المحبوسِ خلف الهمزة، والرمز الثالث (هْـ) هاء السكت التي يتم تكونُّها وظهورها بإكمالنا لصوت الألف وخروج كل الهواء المحتبس في الرئتين، حيث يتم سكوتنا مع ولادة هذه الهاء، ولذلك نسميها هاء السكت.
أما الطريقة الثانية لكتابتها فهي: (آه) والذي حدث في هذا الشكل هو أننا كتبنا الهمزة والألف كحرف واحد عليه تلك الإشارة الأفقية الصغيرة [~] (أي كرمز مركب من قسمين)، وسميناه (همزة المد)، ثم تبعته هاء السكت. والحقيقة أن الذي جرى هنا (في همزة المدّ) عمليتان، الأولى: تبادل الأماكن بين همزة القطع وحرف الألف: فالشكل الأول والصحيح هو هكذا: (ءا)، كما في كلمات مثل: (قُرْءان، جُزْءان)، أي أن الهمزة تسبق الألف، ولكن الشكل الجديد أصبح هكذا: (اء) أي تبادلتا المواقع، وهذا لو بقي على حاله لكان وضعاً غريباً ومرفوضاً، ولكن لنتابع العملية الثانية: فقد تم فيها حمل الهمزة فوق الألف، وكأنها همزة قطع، ولكن المدّ عادة لا يمكن أن يأتي إلا بعد الهمزة، فكيف يسبقها؟ أو كيف تكون محمولة فوق الألف التي يقع فيها المدّ؟
هذه إشكالية جرى حلها بأن كتبوا فوق الألف كلمة (مد) بخط صغير وبلون مختلف بدلاً من همزة القطع الأصلية، فصارت الألف القائمة كأنها هي الهمزة التي نبدأ بها، وكلمة (مد) المكتوبة فوقها هي الألف التي نطلقها في المد. ومع كثرة الاستعمال ومع الزمن صار شكل كلمة [ مدّ ] هكذا: [~] كما نعرفه اليوم، وصارت همزة المد هكذا: [ آ ]، فوجود هذه العلامة فوق حرف الألف، معناه أن نمد الألف كثيراً. ومن هنا كان مصطلح همزة المد.
ربما يكون في هذا التحليل نوعٌ من الفلسفة، ولكن أليس في هذا ما يثبت استحالة فصل اللغة عن فلسفة اللغة؟ وهذا مثال لما يمكن أن يتوصل إليه التفكير العقلاني في التحليل اللغوى الصوتي والدلالي. وربما كان هذا ممهداً لما سنعرضه لاحقاً؛ وهو ما أسميه (ظلال الكلمات) التي يمكننا اعتباره مكملاً مهمّاً لدلالات الكلمات.....]
*********
الشاعر حسن منصور
مقتطف من كتابي الثالث في سلسلة (نحو تأصيل لغويّ مقنّن) وهو بعنوان (في ظلال فقه اللغة) ص23 ـ 24ـ ط1 . عام 2015م. دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع ـ عمّان
أما الطريقة الثانية لكتابتها فهي: (آه) والذي حدث في هذا الشكل هو أننا كتبنا الهمزة والألف كحرف واحد عليه تلك الإشارة الأفقية الصغيرة [~] (أي كرمز مركب من قسمين)، وسميناه (همزة المد)، ثم تبعته هاء السكت. والحقيقة أن الذي جرى هنا (في همزة المدّ) عمليتان، الأولى: تبادل الأماكن بين همزة القطع وحرف الألف: فالشكل الأول والصحيح هو هكذا: (ءا)، كما في كلمات مثل: (قُرْءان، جُزْءان)، أي أن الهمزة تسبق الألف، ولكن الشكل الجديد أصبح هكذا: (اء) أي تبادلتا المواقع، وهذا لو بقي على حاله لكان وضعاً غريباً ومرفوضاً، ولكن لنتابع العملية الثانية: فقد تم فيها حمل الهمزة فوق الألف، وكأنها همزة قطع، ولكن المدّ عادة لا يمكن أن يأتي إلا بعد الهمزة، فكيف يسبقها؟ أو كيف تكون محمولة فوق الألف التي يقع فيها المدّ؟
هذه إشكالية جرى حلها بأن كتبوا فوق الألف كلمة (مد) بخط صغير وبلون مختلف بدلاً من همزة القطع الأصلية، فصارت الألف القائمة كأنها هي الهمزة التي نبدأ بها، وكلمة (مد) المكتوبة فوقها هي الألف التي نطلقها في المد. ومع كثرة الاستعمال ومع الزمن صار شكل كلمة [ مدّ ] هكذا: [~] كما نعرفه اليوم، وصارت همزة المد هكذا: [ آ ]، فوجود هذه العلامة فوق حرف الألف، معناه أن نمد الألف كثيراً. ومن هنا كان مصطلح همزة المد.
ربما يكون في هذا التحليل نوعٌ من الفلسفة، ولكن أليس في هذا ما يثبت استحالة فصل اللغة عن فلسفة اللغة؟ وهذا مثال لما يمكن أن يتوصل إليه التفكير العقلاني في التحليل اللغوى الصوتي والدلالي. وربما كان هذا ممهداً لما سنعرضه لاحقاً؛ وهو ما أسميه (ظلال الكلمات) التي يمكننا اعتباره مكملاً مهمّاً لدلالات الكلمات.....]
*********
الشاعر حسن منصور
مقتطف من كتابي الثالث في سلسلة (نحو تأصيل لغويّ مقنّن) وهو بعنوان (في ظلال فقه اللغة) ص23 ـ 24ـ ط1 . عام 2015م. دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع ـ عمّان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق