قصة الغولة
ــــــــــــــــــــــــــ
محمد عارف مشّه
.....................
ثمة ثلاثة أطفال أنا ومحمد وأحمد نعمة ، ونعمة ليس اسم العائلة إنما هو اسم أمهما المطلقة فعرفا باسم أمهما . وعلى الرغم من المنافسة الشديدة التي كانت بيني وبين محمد نعمة من الذي سيأخذ الترتيب الأول في الصف ، وعلى الرغم من المشاجرات التي كانت تنجم بيني وبينه على فرق علامة واحدة ، وبالرغم أيضا من أنه كان سببا لي بـ ( علقة ) من أمي لأني تشاغلت ذات يوم عن القيام بواجباتي المدرسية والذهاب للعب معه ، ما أثار معلمنا في الصف الثاني أساسي أن طلب مني نسخ الدرس مائة مرة ، فعجزت يداي عن إكمال المهمة ، الأمر الذي أدى في اليوم التالي لـ ( علقة ) دسمة أخرى من المعلم وما جرؤت على إخبار أهلي ، فسرعان ما اكتشفت أمي رحمها الله أثار ضرب العصي على جسدي ، فسألتني عن السبب. أخبرتها ، و كانت لي ( العلقة ) على تقصيري في المدرسة وانشغالي بالخروج مع محمد نعمة للعب والسباحة في مجرى الماء الإسمنتي ، والذي كنا نسميه العمال بفتح العين وتشديد الميم ، القادم من عين الديوك إلى بيارات الموز ، وحين كنا نتعب من السباحة ونشعر بالجوع كنا نذهب إلى سدرة الدوم ، والدوم هو حبيبات صغيرة حلوة المذاق ولها طعم غضّ ، ولشجرة الدوم أشواك كثيرة كنا نتحاشى الشوك ونطرد الخوف في نفوسنا من ظهور الغولة من خلف الشجرة .
كانت الشجرة كبيرة وعتيقة كعجوز تنتصب وسط فراغ كبير ، وكان في جذع الشجرة حفرة لا نجرؤ على الاقتراب منها لاعتقادنا بأن الغولة يشاطرها في الحفرة حنش كبير. .
ذات يوم كان الرهان بيني وبين محمد نعمة ، وقد حاولت الانتقام من ( علقة ) المعلم التي كانت بسببه ، فكان الرهان من يذهب إلى شجرة الدوم بعد آذان المغرب ويحضر قطعة القماش التي وضعناها في حفرة جذع الشجرة خائفين. .
وافق محمد نعمة على الرهان . وقبلته أنا ، تواعدنا في المساء وكان الاتفاق على ان يذهب كل منا في طريق والسرعة في الحصول على قطعة القماش وإخراجها من الحفرة في جذع الشجرة فيكون هو الفائز ويتراجع في التحصيل الدراسي لصالح الآخر كي يكون ترتيبه الأول . كنت على استعداد ان اتنازل عن كل شيء مقابل ان يصل محمد نعمة أولا وتأكله الغولة . .
نمت تلك الليلة وانا أتخيل الغولة تأكل عظامه. ذهب هو في المساء في طريق وتلكأت انا بسيري في الطريق الآخر، كي تسرع الغولة في أكل محمد نعمة وتشبع قبل وصولي .ركض محمد نعمة ، ومشيت ببطء . اقتربت من الشجرة فسمعت صراخ محمد نعمة ، ابتسمت شامتا ، لكني سرعان ما أشفقت عليه وركضت نحو مصدر صوته مسرعا علّني أنقذ ما تبقى منه ،ركضت . ركضت . لهثت . تعبت . ركضت وصلت الشجرة ، وجدته معلقا بين أغصان شجرة الدوم . تبا له لماذا صعد إلى أغصان الشجرة بينما قطعة القماش مازالت في حفرة جذع الشجرة ؟ همست لنفسي واضفت أتراها الغولة قد قامت بوضعه بين الأغصان كي تتلذذ بالتهامه ؟.
تذكرت قصة الجدة عيشة فمت خوفا ، فلربما ترقبني الغولة الآن من بعيد كي تلتهمني أنا الآخر ، انتابني شعور بالرغبة في الهرب ،غراب طار عن غصن الشجرة جمد دم عروقي لرفرفة جناحي الغراب ، صراخ محمد نعمة واستنجاده بي نزع الخوف من الغراب ونعيقه ومن الغولة . تقدمت مسرعا ، تسلقت الشجرة فعلقت ثيابي بأشواك الشجرة .لم أستطع الحراك. صرخت مرعوبا .... وبقينا معلّقين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق