من ذكريات الطفولة في رمضان
الزعيم بلاطة
محمد عارف مشّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سكن في حارتنا رجل عريض المنكبين له رأس وشاربان كبيران ، كرشه يمتد أمامه كامرأة في الشهر التاسع من حملها ، يلهث إن مشى ، زفير أنفاسه مرتفع ، كان رجلا شرها في تدخين سجائر ( الهيشي ) . رأيته أول مرة حين كان عائدا من عمله يجلس أمام باب داره على كرسي من خشب منسوجة قاعدته من القش . أخرج علبة ( الهيشي ) الحديدية من جيبه وأخرج معها دفترا صغيرا . بلل إصبعيه بريقه وقصّ ورقة من الدفتر . فتح الورقة ، أخرج من علبة ( الهيشي ) كمّا من التبغ بين إصبعيه ، وضع كتلة التبغ في الورقة ثم راح يلفّها بإصبعيه ، بلل الورقة مرّة أخرى بلسانه فاستوت كسيجارة ، وضعها بفمه وراح يحاول إشعالها بالقداحة الحديدية ، فأبت القداحة أن تشتعل لعدة مرات ، وفي كل مرة كانت تخرج أصواتا صدئة .
اشتعلت السيجارة فعبّ منها نفسا عميقا وأخرجه دفعة واحدة فخرجت حلقات الدخان كثيرة ، التفت لنا الرجل ثم نهرنا بعصاه كي لا نلعب أمام داره لعبة الاستغماية وما كنّا نخرج من ضوضاء وأصوات مرتفعة .
ابتعدنا قليلا وتعمّدنا الصراخ بصوت مرتفع أكثر نكاية به ، فدخل الرجل لداره لحظات ثم عاد سريعا وبرفقته ولد أكبر منا سنا ويشبه صاحب الكرسي في كرشه وضخامته . أشار الرجل للولد نحونا ، فتقدم نحونا كدبابة عجوز ، اقترب منّا ، توجه لأكبرنا سنا وصفعه ، خفنا للحظات ، خفتت الأصوات المزعجة ، نظر لنا سعيد مستنجدا . ففهمنا استغائته ، تجمهرنا ثانية بعد تفرق ، اقتربنا منه وكل في يده حفنة من تراب ، ألقينا حفنات التراب نحو وجه صاحب الكرش الصغير دفعة واحدة ، صرخ الولد وغطّي وجهه بيديه ، بكى الولد ، تشجّعنا أكثر تقدمنا نحوه كي نضربه ، فوجئنا بالرجل قريبا منا يحمل حزاما في نهايته قطعة حديدية ، لوّح الرجل بالحزام في الهواء ، خفنا ، ارتعدنا ، تراجعنا للوراء متفرقين خائفين ، نهرنا الرجل مزمجرا وتقدم نحونا ، ركضنا عدة خطوات هاربين ، بقي سعيد لوحده ، صرخ أنقذوني. كثيرون استمر هروبهم ، قليلون عادوا باتجاه سعيد ، لوّح الرجل بحزامه في الهواء أكثر ، لم نخف ، تقدمنا بخطوات وائقة يحمل كل منا حجرا بيده ، انطلقت الحجارة نحو الرجل ، حجر أصاب رأس الرجل ، صرخ الرجل ، فزع الرجل ، تراجع الرجل ، تهاوى الحزام على الأرض ، هرب الولد الضخم ، جاء أولاد الحارة ، عاد الهاربون ، قام الرجل متثاقلا يتحسس رأسه ، نظر نحونا للحظات فزعا واطلق ساقيه للريح ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق